الأزمات لا تُسقط المؤسسات فجأة، لكنها تكشف الحقيقة التي كانت موجودة طوال الوقت. ففي كل أزمة كبيرة نرى نفس المشهد: شركات تصمد، تتكيّف، وأحيانًا تخرج أقوى… وشركات أخرى تتعثر أو تختفي.
والفرق هنا نادرًا ما يكون في الحجم أو الموارد فقط، بل في طريقة التفكير والإدارة قبل الأزمة، وأسلوب اتخاذ القرار أثناءها، والقدرة على التعلّم بعدها.
قبل الأرقام… هناك العقل البشري!
الأزمات لا تُربك الأنظمة فقط، بل تُربك العقول قبل كل شيء. فالضغط، والخوف، وعدم اليقين تؤثر مباشرة على طريقة التفكير، سرعة الحكم، وجودة القرار. وعندما يشعر الأفراد بعدم الأمان النفسي، يميلون إمّا للتجمّد والخوف من الخطأ، أو للتسرّع والدفاعية، وكلاهما يضعف الأداء.
وبالنسبة للمؤسسات التي تنجو من هذا التحدي تفهم أن إدارة الأزمة تبدأ بإدارة الحالة النفسية: تقليل الغموض، طمأنة الفرق بدون وعود زائفة، وخلق مساحة آمنة للتفكير والتعبير.
فالعقل المرهق لا يُنتج حلولًا ذكية، بينما الفرق التي تشعر بالاحتواء والثقة تكون أكثر قدرة على التركيز، والتكيّف، والعمل تحت الضغط.
كيف تتغلب الشركات على الأزمات، وتنجو قبل الانهيار؟
هناك 5 خطوات أساسية للنجاة من هذه المشكلة قبل تفاقمها، تبدأ بالاستعداد وتنتهي بـ التعلم!
1. الاستعداد قبل الأزمة… وليس إدارة الصدمة
المؤسسات التي تنجو لا تنتظر الأزمة كي تبدأ التفكير. هي تعمل دائمًا بعقلية “ماذا لو؟”، وتبني خطط استمرارية أعمال، وتراجع المخاطر المحتملة، وتختبر سيناريوهات التوقف والتعافي.
في المقابل، المؤسسات التي تعتمد على الأداء الجيد في الأوقات المستقرة فقط، غالبًا تُفاجأ عند أول اضطراب حقيقي.
2. سرعة القرار أهم من القرار المثالي
في الأزمات، المعلومات تكون ناقصة والوقت محدود. لكن المؤسسات القادرة على النجاة لا تنتظر الصورة الكاملة، لكنها:
- تفوض الصلاحيات
- تقلل البيروقراطية
- تمكّن فرقًا صغيرة قريبة من الواقع لاتخاذ القرار
في المقابل، المؤسسات التي تفترض أن “الأمور ستظل مستقرة” غالبًا ما تصاب بالشلل عند أول اضطراب.
3. الناس أولًا… لأن الانهيار يبدأ نفسيًا
كثير من الانهيارات التشغيلية تبدأ بإجهاد نفسي داخل الفرق، إمـــا:
- ضغط زائد
- ارتباك
- فقدان ثقة
- غياب تواصل واضح
من ناحية أخرى، المؤسسات الأكثر صمودًا تركّز في الأزمات على:
- التواصل المستمر والشفاف
- دعم المدراء ليقودوا تحت الضغط
- توزيع الأعباء بشكل واقعي
عندما يشعر الأفراد بالأمان النفسي، تقل الأخطاء، ويزيد التماسك، وتتحسن القدرة على التكيّف.
4. المرونة المالية بدل الاعتماد على أفضل سيناريو
الأزمات تكشف هشاشة التدفق النقدي بسرعة. والشركات التي تنجو لا تعتمد فقط على أن "الأمور ستسير كما هو مخطط"، بل تبني:
- هوامش أمان مالية
- خطط تقليل تكاليف تدريجية
- أولويات واضحة لما يجب حمايته (الفريق الأساسي، العميل، الجودة)
5. التشغيل المرن وسلاسل الإمداد المتعددة
الاعتماد على مورد واحد أو خطة واحدة يجعل المؤسسة هشة، لكن المؤسسات الصامدة تعمل على:
- تنويع الموردين
- وجود بدائل تشغيلية
- مراجعة المخاطر بشكل دوري
وغالبًا لا تأتي الأزمة من النقطة التي نتوقعها… بل من تفصيلة صغيرة لم تكن في الحسبان.
6. ما بعد الأزمة… التعلم أو التكرار
بعد انتهاء الأزمة، هناك نوعان من المؤسسات:
- مؤسسات تحاول “العودة كما كانت”
- مؤسسات تستغل الأزمة لإصلاح ما كان معطوبًا منذ سنوات
النوع الثاني هو الذي يخرج أقوى، لأنه يحوّل الدروس إلى سياسات، ويُبسّط الإجراءات، ويعيد تصميم طريقة العمل بشكل أكثر واقعية واستدامة.
خـــلاصــة الأمــــر أن..
الأزمات ليست اختبار حظ… بل اختبار نظام!
المؤسسات لا تنهار لأنها واجهت أزمة، بل لأنها دخلت الأزمة بلا استعداد، وبقرارات بطيئة، وثقافة داخلية لا تتحمل الضغط…في المقابل، المؤسسات التي تنجو:
- تبني المرونة قبل الأزمة
- تتحرك بسرعة أثناءها
- وتتعلّم بصدق بعدها


