في السنوات الأخيرة تغيّرت طبيعة العمل بشكل جذري، حيث ظهرت الاجتماعات على Zoom و Google Meet والرسائل الفورية، والعمل عن بعد وغيره، وهذا التدفق المستمر من التطور التكنولوجي
جعل التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في يوم الموظف.
لكن بالتوازي مع هذا التطور، بدأت تظهر أرقام مقلقة:
- تقارير عالمية حديثة تشير إلى أن أكثر من 70٪ من الموظفين يشعرون بالإجهاد المرتبط بالعمل،
- وأن الإرهاق الوظيفي أصبح أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الغياب والاستقالات.
والسؤال هنا ليس هل التكنولوجيا تؤثر على الصحة النفسية، وكيف يمكن توظيفها بشكل ذكي لتكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة؟
التكنولوجيا والإجهاد الوظيفي: ماذا تقول البيانات؟
تشير دراسات متعددة إلى أن ثقافة “الاتصال الدائم” أحد أبرز أسباب الإرهاق النفسي. فـ الموظفون الذين يتلقون رسائل عمل خارج ساعات الدوام بانتظام يكونون أكثر عرضة للقلق واضطرابات النوم بنسبة تصل إلى 30٪ مقارنة بغيرهم.
هذا التأثير لا ينتج عن كثرة العمل فقط، بل عن غياب الحدود الواضحة بين الحياة المهنية والشخصية، وهو ما تساهم فيه الأدوات الرقمية إذا استُخدمت دون سياسات واضحة.
كيف تدعم التكنولوجيا الصحة النفسية؟
على الجانب الإيجابي، أثبتت التكنولوجيا قدرتها على دعم الصحة النفسية إذا استُخدمت بوعي. فـ منصات الدعم النفسي الرقمي وجلسات العلاج عن بُعد، ساعدت في توسيع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، خاصة للموظفين الذين يترددون في طلب المساعدة وجهًا لوجه.
وكذلك تشير بعض الدراسات إلى أن إتاحة دعم نفسي رقمي ضمن مزايا العمل ساهمت في خفض مستويات التوتر المُبلّغ عنها ذاتيًا بنسبة تتراوح بين 20٪ و25٪ خلال فترات زمنية قصيرة نسبيًا.
الذكاء الاصطناعي كأداة إنذار مبكر
بدأت بعض المؤسسات في استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط العمل العامة، مثل عدد ساعات العمل الإضافية أو انتظام فترات الراحة.
الهدف هنا ليس مراقبة الأفراد أو تشخيص الحالات، بل رصد مؤشرات مبكرة للإجهاد لتُساعد الإدارة على اتخاذ قرارات أفضل، مثل إعادة توزيع الأعباء أو تعزيز سياسات العمل المرن.
هذا النهج الوقائي ارتبط بتحسّن ملحوظ في الرضا الوظيفي وتقليل الغياب المرتبط بالإرهاق.
لماذا لا تكفي التطبيقات وحدها؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن إضافة تطبيق للصحة النفسية تحل المشكلة تلقائيًا. والواقع أن التكنولوجيا من دون ثقافة تنظيمية داعمة قد تزيد الضغط بدل أن تخففه. حيث تُشير الأبحاث تشير إلى أن الشركات التي تجمع بين الأدوات الرقمية وسياسات تحترم وقت الموظف وتدعمه نفسيًا تحقق معدلات احتفاظ بالموظفين أعلى بنحو 40٪ مقارنة بغيرها.
ما المقصود بالاستخدام الذكي للتكنولوجيا؟
الاستخدام الذكي للتكنولوجيا في بيئة العمل يعني:
- تقليل الإشعارات غير الضرورية
- تحديد أوقات واضحة للتواصل
- إتاحة دعم نفسي رقمي بسرية
- تدريب المدراء على فهم مؤشرات الضغط النفسي
- استخدام البيانات لتحسين بيئة العمل وليس لمراقبة الأفراد
تشير تقارير الأعمال إلى أن الفِرق التي تتمتع بصحة نفسية أفضل تكون أكثر إنتاجية بنسبة تصل إلى 20٪، وأكثر قدرة على الاستمرار والابتكار.
وخلاصة الأمـــر أن..
الصحة النفسية في بيئة العمل لم تعد موضوعًا هامشيًا أو رفاهية، بل هي أساس الاستدامة المؤسسية والنجاح طويل المدى، وذلك إذا تم استخدامها بذكاء وإنسانية، لتكون أداة قوية داعمة للموظفين، وتقلل من إرهاقهم، وتجعل بيئة عملهم أكثر توازنًا
فـ الموظفون اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الأدوات الرقمية، بل إلى أدوات أذكى تُصمَّم لخدمتهم كأشخاص قبل أن تُستخدم لإدارة العمل.


