معاناة الشخصية الحدية قد تكون أعمق مما يراه الآخرون؛ فتأخر رسالة من شخص عزيز أو تغير بسيط في نبرة صوته قد يثير لديه خوفًا شديدًا من الرفض أو الهجر، حتى دون وجود ما يدعو لذلك. وقد يجد الشخص نفسه عالقًا بين رغبته في القرب ممن يحب وخوفه من فقدانهم - في نفس الوقت.
حيث يُعرف اضطراب الشخصية الحدية (BPD)، أو «بوردرلاين»، بأنه اضطراب نفسي قد يؤثر في تنظيم المشاعر، وطريقة التفكير في الذات والآخرين، واستقرار العلاقات. ومع ذلك، تختلف التجربة من شخص لآخر، ولا يعيش جميع المصابين المشاعر أو الصعوبات نفسها.
وسواء كنت تمر بهذه التجربة بنفسك أو تحاول فهم شخص تحبه، سنقترب في هذا المقال من كيف يشعر مريض الشخصية الحدية وكيف يفكر، لنفهم ما قد يمر به من الداخل، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وبقدر أكبر من التعاطف والوعي.
كيف يشعر الشخص المصاب باضطراب الشخصية الحدية؟
قد تكون مشاعر الشخصية الحدية أكثر شدة وسرعة في التغير لدى بعض المصابين، بحيث يصعب عليهم استعادة هدوئهم بعد موقف عاطفي مؤثر، حتى عندما يبدو الموقف بسيطًا للآخرين.
فمثلًا، قد يشعر الشخص بحزن عميق نتيجة خلاف عابر، أو بقلق شديد إذا تأخر شخص مقرب في الرد على رسالته. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه يبالغ في رد فعله عمدًا، بل قد يعكس صعوبة في تنظيم المشاعر والتعامل معها.
ومن التجارب التي قد يمر بها بعض المصابين:
- شدة الانفعالات: الشعور بالحزن أو القلق أو الغضب بدرجة يصعب احتمالها أحيانًا.
- صعوبة العودة للهدوء: استمرار التأثر بالموقف حتى بعد انتهائه.
- الحساسية للرفض: تفسير بعض المواقف الغامضة على أنها علامة على عدم القبول أو الابتعاد.
- صعوبة تحمل عدم اليقين: الشعور بالتوتر عندما لا تكون نوايا الآخرين أو طبيعة العلاقة واضحة.
وبحسب المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية (NIMH)، قد ترتبط هذه التجارب بصعوبات تنظيم المشاعر وتغير صورة الذات والعلاقات، مع اختلاف شدة الأعراض ومدتها من شخص لآخر.
ومن المهم التمييز بين المشاعر الشديدة التي يمكن أن يمر بها أي إنسان، وبين اضطراب الشخصية الحدية الذي يتطلب تشخيصه تقييمًا متخصصًا لنمط الأعراض وتأثيرها في الحياة اليومية.
الخوف من الهجر والرفض لدى الشخصية الحدية
يُعد الخوف من الهجر أحد الأعراض المرتبطة باضطراب الشخصية الحدية، وقد يظهر حتى دون وجود مؤشرات حقيقية على ابتعاد الآخرين.
فمثلًا، قد يتأخر شخص مقرب في الرد بسبب انشغاله، بينما يشعر المصاب بالقلق ويتساءل: «هل تغيرت مشاعره تجاهي؟» أو «هل يريد الابتعاد عني؟». وقد يدفعه هذا الخوف إلى طلب الطمأنينة باستمرار، أو الانسحاب من العلاقة خشية التعرض للرفض.
كيف تفسر نظرية التعلّق الخوف من الهجر؟
تساعد نظرية التعلّق (Attachment Theory) على فهم هذا الخوف؛ إذ قد تؤثر التجارب العاطفية غير المستقرة، خاصة في الطفولة، في شعور الشخص بالأمان داخل العلاقات.
وتشير الأبحاث المنشورة في مجلة World Psychiatry إلى ارتباط اضطراب الشخصية الحدية بأنماط التعلّق غير الآمن، دون أن ينطبق ذلك على جميع المصابين. وقد يظهر هذا الارتباط من خلال:
- الخوف من القرب: الرغبة في الحب والاهتمام مع الخشية من الرفض أو الأذى.
- التأرجح بين الاقتراب والابتعاد: البحث عن الأمان في العلاقة ثم الانسحاب خوفًا من فقدانها.
- الحساسية للرفض: تفسير بعض المواقف العادية باعتبارها علامات على الابتعاد.
كيف يؤثر الخوف من الهجر في التفكير والسلوك؟
قد يجعل هذا الخوف الشخص أكثر انشغالًا بتفسير تصرفات الآخرين، أو أكثر حاجة إلى الطمأنينة، مع صعوبة التمييز بين الانشغال المؤقت والرفض الحقيقي.
ولا تعني هذه الاستجابات بالضرورة محاولة السيطرة على الآخرين؛ فقد تعكس ضيقًا نفسيًا حقيقيًا يصعب تجاوزه بالإرادة وحدها، لكنه قد يتحسن بالعلاج والدعم المناسب.
وتوضح مايو كلينك أن الخوف من الهجر قد يؤثر في مشاعر المصاب وعلاقاته. ومع ذلك، يبقى فهم هذه المشاعر مختلفًا عن تبرير السلوك المؤذي، مع ضرورة احترام احتياجات الطرفين وحدودهما.
الشعور بالفراغ وعدم ثبات صورة الذات لدى الشخصية الحدية
لا تقتصر معاناة الشخصية الحدية على التقلبات العاطفية أو الخوف من الهجر؛ فقد يشعر بعض المصابين بفراغ داخلي يصعب وصفه، حتى عندما يكونون محاطين بأشخاص يحبونهم.
وقد يبدو كل شيء طبيعيًا من الخارج، بينما يشعر الشخص بأن شيئًا ما ينقصه، أو أنه لا يعرف ما الذي يمنحه الراحة والمعنى.
كيف يبدو الشعور بالفراغ في الشخصية الحدية؟
تشير دراسة نوعية نُشرت عام 2023 إلى أن بعض المصابين يصفون الفراغ وكأنه شعور داخلي يصعب ملؤه، وقد يظهر في صورة:
- الإحساس بالخواء أو الانفصال عن الذات والآخرين.
- الشعور بالوحدة رغم وجود أشخاص مقربين.
- صعوبة الاستمتاع بالأشياء التي كانت تمنحهم السعادة.
- الشعور بالحيرة تجاه ما يريدونه أو ما يمنح حياتهم معنى.
وقد يصاحب ذلك عدم ثبات صورة الذات، فيجد الشخص صعوبة في الإجابة عن أسئلة مثل: «من أنا؟» أو «ماذا أريد فعلًا؟»، وتتغير نظرته إلى نفسه أو أهدافه مع مرور الوقت.
ما الفرق بين الشعور بالفراغ والاكتئاب؟
قد يتشابه الشعور بالفراغ مع الاكتئاب، لكن طبيعة التجربة قد تختلف من شخص لآخر. ففي دراسة نوعية نُشرت عام 2021، وصف بعض المصابين بالشخصية الحدية الفراغ بأنه إحساس بالخواء والانفصال عن الذات، بينما ارتبط الاكتئاب لديهم بالحزن واليأس.
ويظهر الفرق في بعض التجارب على النحو التالي:
- الشعور بالفراغ في الشخصية الحدية: قد يشعر الشخص بأن شيئًا ينقصه من الداخل، أو يجد صعوبة في معرفة من هو وما الذي يمنح حياته معنى، حتى دون الشعور بالحزن.
- الاكتئاب: قد يعاني الشخص من حزن مستمر أو فقدان الاهتمام والمتعة، إلى جانب الإرهاق أو صعوبة التركيز
وقد يجتمع الشعور بالفراغ والاكتئاب لدى الشخص نفسه، لذلك لا يمكن التمييز بينهما اعتمادًا على هذه المشاعر وحدها. فالفراغ ليس مجرد ملل عابر، بل قد يكون تجربة نفسية مؤلمة تستحق الفهم والدعم.
ومن المهم ألا نختزل هذه المشاعر في مجرد ملل أو عدم رضا عن الحياة؛ فقد تعكس معاناة نفسية حقيقية تحتاج إلى التفهم والدعم المناسب، لا إلى التقليل من شأنها.
كيف يفكر مريض الشخصية الحدية؟ ولماذا قد تتغير نظرته إلى الآخرين بسرعة؟
قد يتأثر تفكير الشخصية الحدية بشدة المشاعر، خاصة في المواقف التي تثير الخوف من الرفض أو فقدان العلاقة.
ومن الأنماط التي قد تظهر لدى بعض المصابين ما يُعرف بالتفكير الأبيض والأسود، أو «التشطّر» (Splitting)، حيث يصعب على الشخص أحيانًا رؤية الجوانب الإيجابية والسلبية في الموقف أو العلاقة في الوقت نفسه.
ما معنى التشطر في الشخصية الحدية (Splitting BPD)؟
التشطّر، أو التفكير الأبيض والأسود، هو نمط قد يجعل الشخص يرى الآخرين بصورة متطرفة؛ فإما أن يكونوا جيدين تمامًا أو سيئين تمامًا.
فمثلًا، قد يرى صديقه مصدرًا للأمان والدعم، ثم يشعر بعد خلاف بينهما بأنه لا يهتم به إطلاقًا، رغم أن حقيقة العلاقة لم تتغير بالضرورة.
وهذا لا يعني امتلاك الشخص «شخصيتين»، بل قد يعكس صعوبة في رؤية الجوانب المختلفة للعلاقة أثناء الانفعال.
أنماط تفكير أخرى قد تظهر في الشخصية الحدية
إلى جانب التشطّر، قد تظهر لدى بعض المصابين أنماط تفكير تزيد من قلقهم أو ألمهم، مثل:
- التفكير الكارثي (Catastrophic Thinking): توقع أسوأ الاحتمالات، مثل «"لم يرد عليّ، إذاً هو يكرهني، وسأفقد العلاقة، وسأبقى وحيداً للأبد."
- قراءة الأفكار (Mind Reading): افتراض مشاعر الآخرين دون دليل، مثل "أنا متأكد أنها غاضبة مني رغم أنها لم تقل شيئاً.".
- التعميم المفرط (Overgeneralization): تحويل حدث واحد إلى قاعدة عامة. "خذلني هذه المرة، إذاً كل الناس تخذلني."
- التصفية السلبية (Negative Filtering): رؤية الجانب السلبي فقط من موقف مختلط. "قالت إنها تحب الكعكة لكنها لاحظت أنها مالحة قليلاً، إذاً هي كارهة لعملي."
- التوقعات الصارمة (Shoulds & Musts): توقعات صارمة من الذات والآخرين. "يجب أن يفهمني بدون أن أشرح."
ولا تظهر هذه الأنماط لدى جميع المصابين، كما أنها ليست حكرًا على اضطراب الشخصية الحدية. وقد يساعد العلاج النفسي على التعرف إليها وتطوير طرق أكثر مرونة في التفكير.
ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية أن بعض المصابين قد يواجهون صعوبة في رؤية الأشخاص والمواقف خارج الأحكام المتطرفة، مما قد يؤثر في علاقاتهم.
ومن المهم فهم أن هذه الأفكار قد تعكس ضيقًا نفسيًا حقيقيًا، وليست بالضرورة محاولة متعمدة لإيذاء الآخرين. كما أن اضطراب الشخصية الحدية يختلف عن اضطراب ثنائي القطب، رغم تشابه بعض الأعراض، ويحتاج التمييز بينهما إلى تقييم متخصص.
الغضب لدى الشخصية الحدية: ماذا قد يحدث بعد نوبة الغضب؟
قد يعاني بعض المصابين باضطراب الشخصية الحدية من غضب شديد أو صعوبة في التحكم في ردود أفعالهم أثناء المواقف الضاغطة، خاصة عندما يشعرون بالرفض أو سوء الفهم.
وقد يظهر الغضب في صورة انفعال مفاجئ، أو ارتفاع نبرة الصوت، أو قول كلمات يندم عليها الشخص لاحقًا. وفي حالات أخرى، قد يتجه الغضب نحو الذات بدلًا من التعبير عنه أمام الآخرين.
هل يشعر المصاب بالندم بعد الغضب؟
قد يشعر بعض الأشخاص بعد انتهاء الانفعال بالندم أو الحزن أو الخجل من طريقة تصرفهم، وقد يلومون أنفسهم على ما حدث، خصوصًا إذا تسبب الموقف في توتر العلاقة مع شخص مقرب.
وأحيانًا قد يؤدي هذا الشعور إلى مزيد من القلق والخوف من فقدان العلاقة، فتزداد صعوبة التعامل مع الموقف.
لكن الندم بعد الغضب ليس تجربة ثابتة لدى جميع المصابين، كما أن الغضب وحده لا يكفي لتشخيص اضطراب الشخصية الحدية.
حيث تشير دراسة نوعية منشورة في مجلة Personality Disorders: Theory, Research, and Treatment عام 2024 إلى أهمية مشاعر العار والخجل في التجربة النفسية لبعض المصابين بالاضطراب.
ومن المهم هنا الفصل بين فهم الغضب وتبرير السلوك المؤذي؛ فحتى عندما يكون الانفعال شديدًا، تظل المسؤولية عن التصرفات واحترام حدود الآخرين جزءًا مهمًا من التعافي وتحسين العلاقات.
الانفصال أو الشعور بعدم الواقعية تحت الضغط النفسي
قد يمر بعض المصابين باضطراب الشخصية الحدية بتجارب تُعرف باسم الانفصال النفسي (Dissociation)، خاصة أثناء التعرض لضغط نفسي شديد.
وقد يشعر الشخص خلال هذه التجارب بأنه منفصل عن مشاعره أو جسده، أو أن البيئة المحيطة به تبدو غريبة أو غير واقعية، رغم إدراكه في بعض الحالات أن هذا الإحساس غير معتاد.
ومن الأمثلة المحتملة:
- الشعور وكأن الشخص يراقب نفسه من الخارج.
- الإحساس بالانفصال عن المشاعر أو المحيط.
- الشعور بأن ما يحدث حوله يبدو غير حقيقي.
وقد تكون هذه التجارب مؤقتة ومرتبطة بالتوتر، لكنها ليست حكرًا على اضطراب الشخصية الحدية، وقد تظهر في حالات نفسية أو صحية أخرى.
ووفقًا لـالمعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية (NIMH)، يُعد الانفصال عن الذات أو المحيط من الأعراض التي قد يمر بها بعض المصابين.
إذا تكررت هذه التجارب، أو استمرت، أو أثرت في القدرة على أداء المهام اليومية، فمن المهم استشارة مختص نفسي أو طبي لتقييمها. أما إذا صاحبها ارتباك شديد أو خطر مباشر على السلامة، فينبغي طلب المساعدة الطبية العاجلة.
كيف تؤثر معاناة الشخصية الحدية في العلاقات العاطفية والاجتماعية؟
قد تكون العلاقات مصدرًا مهمًا للدعم والأمان لدى المصاب باضطراب الشخصية الحدية، لكنها قد تصبح أيضًا مصدرًا للقلق عندما يصعب عليه التعامل مع الخلافات أو عدم اليقين.
فقد يرغب الشخص في القرب العاطفي والاستقرار، وفي الوقت نفسه يخشى التعرض للرفض أو الأذى، مما قد يؤدي لدى بعض المصابين إلى تغيرات متكررة في طريقة التواصل أو التعامل مع الشريك.
وقد تتأثر العلاقات كذلك بالحساسية تجاه بعض المواقف، أو صعوبة التعبير عن الاحتياجات أثناء الانفعال، أو اختلاف توقعات الطرفين.
ومع ذلك، لا يعني تشخيص اضطراب الشخصية الحدية أن الشخص غير قادر على الحب أو بناء علاقات صحية ومستقرة. فالعلاقات تتأثر بعوامل متعددة، منها التواصل، والوعي بالمشاعر، والحدود المتبادلة، والحصول على الدعم المناسب.
ولفهم هذا الجانب بصورة أوسع، يمكنك قراءة أكثر عن الحب والاضطرابات النفسية والشخصية، أو التعرف على كيفية التعامل مع ذوي الشخصية الحدية.
هل توجد نقاط ضعف أو نقاط قوة ثابتة للشخصية الحدية؟
قد يبحث البعض عن نقاط ضعف الشخصية الحدية أو نقاط قوة الشخصية الحدية بهدف فهم المصاب بصورة أفضل. لكن من المهم عدم اختزال الإنسان في قائمة من الصفات المرتبطة بتشخيصه.
فاضطراب الشخصية الحدية لا يحدد ذكاء الشخص أو أخلاقه أو مواهبه أو قدرته على النجاح وبناء العلاقات، ولا توجد مجموعة من نقاط القوة أو الضعف تنطبق على جميع المصابين.
ما المقصود بنقاط ضعف الشخصية الحدية؟
الأدق أن نتحدث عن تحديات نفسية مرتبطة بالأعراض بدلًا من وصفها بنقاط ضعف شخصية.
ومن هذه التحديات لدى بعض المصابين:
- صعوبة تنظيم المشاعر الشديدة.
- الحساسية المفرطة تجاه الرفض.
- صعوبة تحمل عدم اليقين في العلاقات.
- الاندفاع أثناء الضيق النفسي.
- عدم استقرار صورة الذات أو الشعور بالفراغ.
وهذه التحديات ليست عيوبًا أخلاقية، ولا ينبغي استخدامها لاستغلال الشخص أو الضغط عليه، كما أنها قابلة للتحسن بدرجات متفاوتة مع العلاج والدعم المناسبين.
هل توجد نقاط قوة خاصة بالشخصية الحدية؟
قد يتمتع بعض المصابين بالتعاطف أو الإبداع أو المثابرة أو القدرة على بناء علاقات عميقة، مثل غيرهم من الأشخاص.
لكن لا توجد أدلة كافية تسمح باعتبار هذه الصفات سمات ثابتة أو حصرية لاضطراب الشخصية الحدية. لذلك، من الأفضل التعرف على نقاط قوة كل شخص من خلال خبراته وقدراته واهتماماته، وليس من خلال التشخيص وحده.
كيف يمكن للآخرين فهم معاناة الشخصية الحدية بصورة أفضل؟
عندما يعاني شخص مقرب من اضطراب الشخصية الحدية، فقد يكون من الصعب أحيانًا فهم شدة مشاعره أو طريقة استجابته لبعض المواقف.
لكن الدعم لا يتطلب الموافقة على كل تصرف، بل يبدأ بمحاولة فهم التجربة النفسية مع الحفاظ على تواصل واضح وحدود صحية.
وقد تساعد الخطوات التالية:
1. الاستماع دون التقليل من المشاعر
بدلًا من قول: «أنت تبالغ في الموضوع»، يمكن استخدام عبارة مثل: «أفهم أن هذا الموقف كان مؤلمًا بالنسبة إليك، وأريد أن أفهم ما الذي أزعجك». فالاعتراف بوجود المشاعر لا يعني بالضرورة الموافقة على تفسير الموقف أو السلوك الناتج عنه.
2. التواصل بوضوح قدر الإمكان
قد يساعد توضيح بعض الأمور البسيطة، مثل سبب التأخر في التواصل أو الحاجة إلى وقت خاص، على تقليل سوء الفهم. فمثلًا: «سأكون مشغولًا خلال الساعتين القادمتين، لكن يمكننا التحدث بعد ذلك».
3. وضع حدود واضحة ومحترمة
من الممكن تفهم غضب الشخص مع رفض الصراخ أو الإهانة، مثل قول: «أريد أن أسمعك، لكن دعنا نكمل الحديث عندما نستطيع التحدث بهدوء». فالحدود الصحية تحمي الطرفين وتساعد على بناء علاقات أكثر أمانًا.
4. تجنب استخدام التشخيص أثناء الخلافات
لا ينبغي استخدام عبارات مثل: «أنت تتصرف بهذه الطريقة لأنك بوردرلاين» بهدف إسكات الشخص أو التقليل من وجهة نظره. ومن الأفضل مناقشة السلوك والموقف نفسه، بدلًا من ربط كل اختلاف أو مشكلة بالتشخيص النفسي.
5. تشجيع طلب المساعدة المتخصصة
يمكن دعم الشخص في البحث عن علاج نفسي مناسب دون الضغط عليه أو التعامل معه باعتباره غير قادر على اتخاذ قراراته. وتوصي إرشادات NICE البريطانية بالاستماع إلى الأشخاص المصابين، وإشراكهم في القرارات المتعلقة بعلاجهم، وتقديم رعاية تحترم احتياجاتهم وكرامتهم.
هل يمكن أن تتحسن معاناة الشخصية الحدية بالعلاج النفسي؟
نعم، يمكن أن تتحسن أعراض اضطراب الشخصية الحدية بصورة ملحوظة لدى كثير من المصابين من خلال العلاج النفسي المناسب وتعلم مهارات تنظيم المشاعر والتعامل مع الضغوط وبناء العلاقات.
ويُعد العلاج النفسي الخيار الأساسي للتعامل مع الاضطراب، ومن الأساليب المستخدمة:
- العلاج السلوكي الجدلي (DBT): يساعد على تعلم مهارات تنظيم المشاعر، وتحمل الضيق النفسي، واليقظة الذهنية، وتحسين العلاقات.
- العلاج القائم على فهم الحالات العقلية (MBT): يساعد الشخص على فهم مشاعره وأفكاره، والتفكير بصورة أكثر مرونة في نوايا الآخرين ومشاعرهم.
- علاج المخططات (Schema Therapy): يعمل على فهم الأنماط النفسية الراسخة وتطوير طرق أكثر تكيفًا للتعامل مع الذات والعلاقات.
وتشير مراجعة علمية نُشرت في مجلة World Psychiatry عام 2024 إلى وجود أدلة تدعم فاعلية عدد من العلاجات النفسية المتخصصة في تخفيف الأعراض، مع اختلاف الاستجابة من شخص لآخر.
أما الأدوية، فلا تُعد العلاج الأساسي لأعراض اضطراب الشخصية الحدية نفسه، لكنها قد تُستخدم في بعض الحالات لعلاج اضطرابات مصاحبة، مثل الاكتئاب أو القلق، وفق تقييم الطبيب المختص.
ويمكنك التعرف بصورة أوسع على اضطراب الشخصية الحدية وأسبابه وأعراضه وطرق علاجه.
أما إذا شعرت أن هذه المشاعر تؤثر في حياتك اليومية.. أو علاقاتك أو سلامتك النفسية، يمكنك التواصل مع مختص نفسي عبر منصة حاكيني لمساعدتك على فهم ما تمر به ووضع خطوات مناسبة لاحتياجاتك.
ومن المهم أيضًا التعامل بجدية مع أي أفكار لإيذاء النفس أو الانتحار، سواء ظهرت لدى الشخص نفسه أو عبّر عنها أحد المقربين. ففي حال وجود خطر مباشر، تكون الأولوية لطلب المساعدة الفورية من خدمات الطوارئ المحلية أو التوجه إلى أقرب قسم طوارئ، وعدم الاكتفاء بالدعم عبر الإنترنت.
الأسئلة الشائعة حول معاناة الشخصية الحدية
1. كيف يفكر مريض الشخصية الحدية؟
قد يتأثر تفكير بعض المصابين بمشاعر الخوف من الرفض أو الهجر، مما يجعلهم أكثر حساسية لبعض المواقف أو يدفعهم أحيانًا إلى تفسير الأمور بصورة متطرفة. لكن أنماط التفكير تختلف من شخص لآخر، ولا يمكن تحديد طريقة تفكير الإنسان اعتمادًا على التشخيص وحده.
2. لماذا يخاف المصاب بالشخصية الحدية من الهجر؟
قد يرتبط الخوف من الهجر بصعوبات تنظيم المشاعر والحساسية للرفض، إلى جانب عوامل نفسية وبيولوجية وبيئية متداخلة. ولا يوجد سبب واحد يفسر هذا الخوف لدى جميع المصابين، كما لا يمكن تحميل الأسرة مسؤولية مباشرة عن نشوء الاضطراب.
3. هل الشخصية الحدية تتلاعب بالآخرين عمدًا؟
لا يصح اعتبار التلاعب المتعمد صفة ثابتة للمصابين باضطراب الشخصية الحدية. فقد تبدو بعض التصرفات مرتبطة بالخوف أو الحاجة إلى الطمأنينة أو صعوبة تنظيم المشاعر، لكن دوافع السلوك تختلف من شخص لآخر. وفي جميع الأحوال، يبقى احترام الحدود وتحمل مسؤولية التصرفات أمرًا مهمًا.
4. ما معنى التشطر أو Splitting في BPD؟
التشطّر هو نمط تفكير قد يجعل الشخص يرى الآخرين أو المواقف بصورة شديدة التطرف، مثل الانتقال بين اعتبار شخص ما جيدًا تمامًا أو سيئًا تمامًا. ولا يعني التشطر وجود شخصيتين منفصلتين، كما أنه ليس عرضًا خاصًا حصريًا باضطراب الشخصية الحدية.
5. هل الشعور بالفراغ من أعراض الشخصية الحدية؟
نعم، يُعد الشعور المزمن بالفراغ أحد الأعراض المحتملة لاضطراب الشخصية الحدية. وقد يظهر كإحساس بالخواء الداخلي أو غياب المعنى أو صعوبة الشعور بالرضا. لكن هذا العرض قد يظهر أيضًا في حالات أخرى، ولا يكفي وحده لتشخيص الاضطراب.
6. هل الشخصية الحدية تندم بعد الغضب؟
قد يشعر بعض المصابين بالندم أو الخجل أو الحزن بعد نوبات الغضب، خصوصًا إذا أثرت تصرفاتهم في علاقاتهم. ومع ذلك، لا يمر جميع المصابين بالتجربة نفسها، ولا يمكن توقع رد فعل الشخص أو مشاعره اعتمادًا على التشخيص فقط.
7. هل توجد نقاط قوة خاصة بالشخصية الحدية؟
لا توجد نقاط قوة ثابتة أو حصرية لجميع المصابين باضطراب الشخصية الحدية. فقد يتمتع بعضهم بالإبداع أو التعاطف أو المثابرة، لكن هذه الصفات ترتبط بالفروق الفردية والخبرات الشخصية، ولا ينبغي افتراض وجودها أو غيابها بسبب التشخيص.
8. كيف أساعد شخصًا يعاني من هذه المشاعر؟
يمكنك مساعدته من خلال الاستماع دون إصدار أحكام، والاعتراف بمشاعره، والتواصل بوضوح، واحترام الحدود الشخصية، وتشجيعه على طلب الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. وإذا عبّر عن أفكار لإيذاء نفسه أو الانتحار، فمن الضروري التعامل معها بجدية وطلب المساعدة العاجلة.


